السعوديّة وأزمات المنطقة.. «بوادر هزيمة في البحرين»

    Wednesday, March 18, 2015


 

 

د.حسن سلمان* 

 

 

ليس عاديًّا ما يحصل في البحرين في الآونة الأخيرة، وليس خافيًا على أحدٍ أنّ الملفّ البحرينيّ ازداد تأزُّمًا في الأشهر القليلة الماضية، مع تصاعد وتيرة الأحداث في المنطقة ككل من سوريا إلى العراق ثمّ اليمن، مع التلميح إلى أنّ كلّ هذه الأحداث التي تحصل مرتبطة بعنوان وصراع واحد، بين محورين رئيسيين. محورٌ يريد إعادة الاستقرار إلى المنطقة العربيّة كلّها، ومحورٌ آخر يسعى جاهدًا إلى عدم السماح بإطفاء الحرائق التي لفّت الوطن العربيّ بأكمله.

 

 

لنبدأ من سوريا أوّلًا، ساحة الصراع الأولى في الوطن العربيّ، والتي تشهد حربًا مفتوحةً بين المحورين اللذين ذكرتهم، وهو صراعٌ جعل المنطقة تنقسم انقسامًا عموديًّا، وجعل وجهات النظر متباعدة إلى حدٍّ غير مسبوق، ما ساهم في تأزيم كلّ الساحات مولّدًا حالةً من النموّ الهائل لحركات التطرُّف التي تدّعي الإسلام.

 

 

هذه الحركات المتطرّفة، التي عاثت في الدول فسادًا، وبدعمٍ غربيّ وأوروبيّ وخليجيّ غير محدود، تمكّنت في البداية من خلق حالةٍ من الهلع الشديد لدى بعض شعوب المنطقة، ما سمح لها بالتمدُّد في مناطق شاسعة والسيطرة عليها، بل وفرض أحكامهها على شعبها. لكن الانتصارات التي حقّقها المحور الممانع للغرب ولكلّ استبدادات حكّام الخليج، قلبت كلّ الموازين وغيّرت كلّ المعادلات التي كان يرسمها محور الخنوع والاستسلام بالسيطرة على كلّ المنطقة، فاستطاع أن يُكبّد الحركات المتطرّفة خسائر كبيرة جدًّا ويبعدها عن مناطق كثيرة قامت باحتلالها وبثّ الرعب فيها.

 

 

وكما في سوريا، كذلك في العراق، فكاتب السيناريو السوريّ هو نفسه كاتب السيناريو العراقيّ، بنفس النقاط ونفس التفاصيل، ونفس الحماقات وبأسلوب عدم الدقّة ذاته، وكانت النتيجة مشابهة تمامًا، انكسارٌ وانهزام للحركات الإرهابيّة المتطرّفة المدعومة من الغرب ومن الخليج عامّة والسعوديّة خاصّة.

 

 

هذه الهزائم المستمرّة والانتكاسات المتكرّرة، والتي أوقفت المدّ السعوديّ-الداعشيّ في المنطقة، فرملت أيضًا الاندفاعة الأمريكيّة، وجعلته يعيد حساباته بشكلٍ جذريّ، ويغيّر رأيه في رهاناته الخاسرة، فكان أن اندفع للتحاور مع المحور الذي يُحقّق الانتصارات، وهنا بالتحديد بدأ الحلم السعوديّ بالتهاوي والانكسار.

 

 

الحوار الإيراني – الأمريكيّ أربك كلّ داعمي التطرُّف، وجعل السعوديّة في وضعٍ حرج؛ فهي من جهة لن تقبل بالاعتراف بالقوّة الإيرانيّة في المنطقة، ومن جهةٍ أخرى لن تستطيع مجابهة الإرادة الأمريكيّة بالحوار مع إيران، ورغبتها في الوصول إلى اتفاقٍ نهائيّ، العنوان فيه هو الملفّ النوويّ الإيرانيّ، لكنّه اتفاقٌ يشمل كلّ الملفّات العالقة في المنطقة. ومن هنا كان الخوف السعوديّ الواضح، والذي تمثّل في محاولة تأزيم الملفّات بشكلٍ أكبر وأشدّ دمويّة في أكثر الأحيان، وكانت النتائج واضحة في سوريا والعراق وليبيا ومصر والبحرين.

 

 

ولا بدّ لنا من توجيه الأنظار إلى البحرين بشكلٍ خاص، حيث شهد هذا البلد مجموعة من الأحداث التي نقلت الصراع في البحرين إلى مرحلة أشدّ خطورة وتعقيدًا. وهنا نرجع إلى الإنجاز غير المسبوق الذي حقّقته المعارضة بدعوتها إلى استفتاءٍ شعبيٍّ جارف، استطاع بنتائجه وبالمشاركة الشعبيّة الواسعة أن يهزّ أركان النظام البحرينيّ، الذي ازداد إرباكه أكثر بعد النتائج المخيّبة والهزيلة للانتخابات النيابيّة والبلديّة التي أجراها، والمشاركة الشعبيّة المتدنّية فيها، وجعله ذلك يتجّه أكثر نحو المزيد من التطرُّف في التعاطي مع المعارضة وأبناء شعبه.

 

 

الاستفتاء الشعبي كان منعطفًا في مسيرة الشعب البحرينيّ، ودلالةً على أنّ هذا الشعب يسير في الاتجاه الصحيح، وهذا ما جعل النظام البحرينيّ يتّجه إلى ارتكاب الحماقة تلو الأخرى، والتصرُّف من غير وعيٍ وبارتباكٍ غير مسبوق. فاعتدى على منزل الشيخ عيسى قاسم، أحد أهم الرموز البحرينيّة، ثم جاء اعتقال أمين عام جمعيّة الوفاق المعارِضة الشيخ علي سلمان، وتوجيه اتهامات زائفة له، وغير واقعيّة أو صحيحة، والإمعان في سياسة الاعتقالات التي تطال حتّى النساء والشيوخ والأطفال، والاعتداءات الوحشيّة على المواطنين، والاعتداء حتّى على المعتقلين في السجون.

 

 

كل هذه الانتهاكات المتزايدة، أشارت بوضوحٍ إلى المأزق الكبير الذي يعيشه النظام البحرينيّ، وهذه ليست سوى نتائج لما آلت إليه الأوضاع في المنطقة بشكلٍ عام، والاندحار السعوديّ وانهزامه في مختلف ميادين الصراع، الذي اضطرّه إلى الضغط في الساحة التي يملك فيها التأثير الأقوى، لعلّه يستطيع أن يلفت بعض الانتباه إلى أنّه ما زال يملك بعض الأوراق التي يستطيع أن يضغط بها، خاصّةً بعد أن فقد قدرته على التأثير في الملفّ السوريّ، وخسِر رهانه في الملفّ العراقيّ، وفشل فشلًا ذريعًا وانهزم في الملفّ اليمنيّ، وتلقّى صفعةً كبيرةً في الملفّ البحرينيّ، ما جعله يتعامل مع الساحة البحرينيّة على أنّها مسألة حياة أو موت.

 

 

إذًا السعوديّة تأمر آل خليفة بالإمعان في الظلم والتسلُّط «دون أن نُغفل الرغبة الخليفيّة بممارسة الظلم»، آملةً أن تتمكّن من لفت نظر الأمريكيّ والإيرانيّ إلى أنّها ما زالت تملك وسائل ضغط كبيرة، وباعثة برسائل تقول أنّها لن تقبل بأي اتفاق شامل دون أن تكون لها المشاركة في صناعته وتظهيره. هذا في وقتٍ أصبح الأمريكيّ يعرف جيّدًا مقدار خطورة السعوديّ، وإمكاناته في التصدّي وفرض شروطه، بعد أن رأى منه انكسارات وهزائم في كلّ الملفّات التي كان يواجه فيها إيران، فكان الخيار الأمريكيّ نابعًا من يقينٍ بأنّ إيران هي الطرف الأقوى والأقدر على فرض نفسها والخروج من كلّ الصراعات منتصرًا.

 

 

من هنا، نرى أنّ التطرف والإمعان الخليفيّ اتجاه الشعب الثوريّ في البحرين، هو نتاج مجموعة من الهزائم المتلاحقة التي لحقت بأسياد هذا النظام المتهاوي، وهو ردُّ فعلٍ طبيعيّ لنظامٍ تلقّى الضربة تلو الضربة، فبات كالثور الهائج في مواجهته لشعبه، ومستعدًّا للقيام بأي خطوة عدوانيّة من أجل الحفاظ على بقائه، غافلًا عن حقيقةٍ لا جدال فيها، وهي أنّ أمر بقائه من عدمه ليس مرتبطًا بما يقوم به من انتهاكات أو اعتداءات، بل هو مرتبطٌ بشكلٍ رئيسيّ بالقدرة السعوديّة على الصمود في وجه القوّة الإيرانيّة المتعاظمة في المنطقة، والتي أجبرت أمريكا نفسها على التودّد إليها ومدّ يد الحوار لحلّ كلّ الملفّات.

 

 

*كاتب وباحث في الشؤون السياسيّة

 

 

                           
  التعليقات
» لم يتم التعليق بعد من قبل أي عضو. يمكنك أن تكون أول واحد لكتابة تعليق.

 
 Name:


 Email:


 Comment:



 Captcha:


جديد بوست

الأموات يحتفلون بعد إسقاط متأخرات الكهرباء

تابعونا على
تويتر

عاجل
عاجل