انتفاضة الاستقلال: «لا تراجع ولا استسلام»

    Friday, August 19, 2016


 

 

 

د. عماد طه *

 

 

أدرك الشعب البحرينيّ العزيز، بعد أكثر من خمس سنوات على بدء حراكه الثوريّ، أنّه يواجه نظامًا مستبدًا ظالمًا لا يعرف معنى للرحمة أو الرأفة، وهو يتعامل مع شعبه على أنّهم مجرّد عبيد؛ واجبهم القيام بخدمته دون أن يكون لهم حقوق. 

 

 

الاستقلال بمعناه الحقيقيّ هو أن يكون الوطن مستقلًا بقراره وأرضه وسيادته عن كلّ احتلال أو تدنيس، وهذا ما حقّقه الشعب البحرينيّ عندما تحرّر وتخلّص من المحتلّ البريطانيّ، ليعود ويجد نفسه مع بدء حراكه الشعبيّ، أمام احتلال أسوأ وأخطر مما كان يعانيه أيّام الإنجليز.

 

 

المشكلة الكبرى أنّ الاحتلال السعوديّ للبحرين جاء بعنوان من يريد تحقيق الأمن والمساعدة على إبقاء الشرعية المزعومة، فحشدت قبل الجيوش، آلة إعلاميّة كبيرة للمساهمة في تصوير دخول درع الجزيرة إلى أرض البحرين بمظهر الفاتح، الذي جاء لتخليص غالبيّة الشعب البحرينيّ من بعض الخارجين عن القانون الذي عاثوا في البلاد خرابًا ودمارًا، على ذمّة آل سعود وأدواتهم.

 

 

والأسوأ من هذا كلّه، أنّ الولايات المتحدة الأميركيّة والدول الأوروبيّة التي تتشدّق ليلًا نهارًا بالديمقراطيّة وحقوق الإنسان، ووقوفها إلى جانب الشعوب المضطهدة والمظلومة، وقفت صامتة أمام هذه الخطوة العدوانيّة الواضحة تجاه شعب خرج بكلّ أطيافه: صغاره، وكباره،ونسائه، ورجاله، للمطالبة بأبسط الحقوق في العيش والكرامة، فواجهه آل سعود وآل خليفة بكلّ أنواع الإجرام، ولم يجد من هذا العالم المنافق سوى التجاهل وغضّ النظر، في موقف أعطى نظام البحرين، ومن ورائه السعوديّة، ضوءًا أخضرًا للمضي في غيّه وإجرامه من أجل إسكات الشعب وإخضاعه.

 

 

رغم كلّ هذا الإجرام، ورغم كلّ التغاضي الدوليّ والغربيّ عن كلّ الانتهاكات، فإنّ شعب البحرين لم ييأس، ولم يتراجع أو يرفع راية الاستسلام في وجه محتلّ استخدم كلّ الوسائل من أجل أن يئد الثورة في مهدها، لكنّه فشل في ذلك فشلًا ذريعًا.

 

 

الشعب البحرينيّ يعلم جيّدًا أنّ الاستقلال لا يأتي بمنّة من أحد، ولا يمكن لأحد أن يهديه استقلالًا، بل هو ثمرة مجهود نضال وثورة لا تتوقف، ولايأتي إلا بالتضحيات العظام، التي ما بخل بها الشعب البحرينيّ يومًا من أجل الوصول إلى أهدافه، ويعلم هذا الشعب أيضًا أنّ رهان النظام الحاكم هو على إخضاعه؛ إن كان عبر الاعتقالات لقادته أو سحب الجنسيّة من أبرز رموزه، للضغط عليهم وجرّهم إلى التنازل عن مطالبهم والرضا بما يقرّره أركان النظام الحاكم. وهو أمر بعيد المنال جدًّا أمام ما نراه من إصرار وعزيمة، وتأكيد للاستمرار في الحراك والنضال حتى تحقيق الأهداف مهما غلت التضحيات، ومهما أمعن النظام في ظلمه وإجرامه.

 

 

كلّ المعطيات تدلّ بشكل قاطع على أنّ السعوديّة تمرّ بمرحلة حرجة، وهي مرحلة تتلقّى فيها الضربات والخيبات في مختلف الساحات التي تواجه فيها، وهي تدرك أنّ المرحلة القادمة لن تكون أفضل من سابقتها، على ضوء المعطيات الميدانيّة على أكثر من جبهة تشارك فيها السعوديّة عبر الدعم الماليّ أو اللوجستيّ. وهذا يشكّل بحدّ ذاته ورقة ضغط على النظام السعوديّ بتهديده بخسارة نفوذه، إن وجدت، في مختلف مناطق الصراع، ما جعله يتمادى في إجراءاته التعسّفيّة تجاه الشعب البحرينيّ، ليطال هذا التعسّف كلّ قادة المعارضة، وليشمل أيضًا علماء الدين في حملة تطهير طائفيّة مقيتة.

 

 

ويأمل النظام السعوديّ، من خلال ممارساته في البحرين، في أن يحتفظ بورقة وحيدة يمكن أن يحملها معه إلى التفاوض عندما تحين ساعة الاتفاقات الكبرى في المنطقة بأسرها، أملًا منه بالخروج بأقلّ الخسائر الممكنة في ظلّ التغييرات الكبيرة التي طرأت على مجمل أحوال المنطقة.

 

 

إذًا، الشعب البحرينيّ مطالب أكثر من أيّ وقت مضى بالصمود والصبر، بل الانطلاق بزخم أكبر في حراكه وثورته، ليسحب من السعوديّة أيّ ورقة للتفاوض في المرحلة القادمة، لذا عليه ألّا يرضخ وألّا يستسلم، وأن يستمرّ بالالتفاف حول قادته ورموزه الذين يقودون البلاد إلى طريق الأمان.

 

 

*باحث ومحلّل استراتيجيّ أردنيّ

 

 

 

                           
  التعليقات
» لم يتم التعليق بعد من قبل أي عضو. يمكنك أن تكون أول واحد لكتابة تعليق.

 
 Name:


 Email:


 Comment:



 Captcha:


جديد بوست

الأموات يحتفلون بعد إسقاط متأخرات الكهرباء

تابعونا على
تويتر

عاجل
عاجل