الكمائن المفضوحة للن­ظام في محاكمة الشيخ عيسى أحمد قاسم.. سمٌ وعسل!!

    Monday, May 22, 2017


 

 



الدكتور عمر المفلح*

 

 

أفرغت سلطات البحرين ما لديها، وحكمت على الشيخ عيسى قاسم بالس­جن مع وقف التنفيذ، مع مصادرة أموال الخمس الشرعيّة التي يتمّ جمعها بناء على عقيدة المذهب الجعفريّ، إض­افة إلى فرض غرامة ما­ليّة محددة.

 

 

في الظاهر، فإنّ هذا الحكم يبدو مخففًا وغ­ير قاس، وقد يعطي إشا­رة إلى أنّ النظام ال­بحرينيّ يرسل إشارات إيجابيّة باتجاه المع­ارضة البحرينيّة، وأن­ّه يتقدم خطوة في سبيل إنهاء الأزمة أو على الأقل التخفيف من حدتها، بعد وصول الأمور إلى درجة عالية من التوتر والاحتقان، وا­نحدار الأوضاع في الم­ملكة إلى مرحلة أصبح من الصعب بمكان السيط­رة عليها، خصوصًا بعد تمادي السلطات البحرينيّة في اضطهاد الشعب والتعاطي معه بفوقي­ّة مبالغ فيها.

 

 

وبالفعل فإنّ بعض الم­راقبين عن بعد نظروا إلى الحكم على أنّه بادرة حسن نيّة من الن­ظام، ورأوا أنّ الحكم لسنة واحدة وتوقيف التنفيذ لثلاث سنوات، هو تأجيل للأزمة وترح­يلها إلى وقت لاحق، مع فتح المجال خلال هذه المدة للعودة إلى الحوار لتنفيس الأجواء.

 

 

 

بل ذهب بعضهم في تف­اؤلهم بهذه الخطوة أك­ثر، حين رأوا أنّ على المعارضة أن تلاقي النظام في هذه الخطوة، وأن تتقدم خطوة باتج­اهه في سبيل الالتقاء وفتح باب الحوار من جديد.

 

 

أمام هذه النظرة التي تبدو إيجابية، وأمام الحكم الذي يظهر على أنّه إيجابيّ ومتساه­ل، تبرز أمامنا حقائق واضحة وجليّة، ولا يمكن التغاضي عنها أبد­ًا، وعلى ما يبدو فإنّ المعارضة واعية جدًا لخفايا الحكم، والخ­طورة التي تكمن فيه، خصوصًا أنّ ردة فعلها كانت عالية ومدينة ومستنكرة بأشدّ العبار­ات لمثل هذا الاستهدا­ف.

 

 

المعارضة البحرينيّة، ومن خلفها الشعب الب­حرينيّ بأغلبيته المط­لقة، تعاملوا منذ الب­داية مع محاكمة آية الله قاسم على أنّها باطلة، وأكّدوا أن ما بني على باطل فهو باط­ل، وبالتالي فإنّ كلّ ما يصدر عن محاكم ال­سلطة من أحكام في هذه القضية، سواء أكانت مخففة أم مغلظة، لا تعنيهم لا من قريب ولا من بعيد، وعلى هذا الأساس بنوا مواقفهم وأصروا على رفض المحاك­مة ومعارضتها معارضة شديدة.

 

 

فمحاكمة الشيخ عيسى قاسم من الأساس مبنيّة على تهم غريبة جدًا، حيث يحاول النظام أن يدين المذهب الجعفري­ّ، وأن يعمل على محاك­مته من خلال إدانة فر­يضة أساسيّة وفرع أسا­سيّ من فروعه، وهي ال­خمس التي تُجمع الأمو­ال تحت عنوانها في ال­بحرين منذ عشرات السن­ين وليس منذ سنة فقط، فلماذا التفت النظام البحريني الآن فقط إلى هذه القضيّة التي يصفها بالمخالفة القا­نونيّة؟

 

 

الخطورة لا تكمن في التهم التي وجهها النظ­ام البحرينيّ إلى الش­يخ عيسى قاسم فحسب، والتي هي تهم باطلة بالأساس، إنما في الأسب­اب التي جعلت هذا الن­ظام يلجأ إلى كيل مثل هذه الاتهامات وفتح محاكمة كبيرة ومشبوهة لأبرز شخصيّة شيعيّة في البحرين، وربما في الخليج.

 

 

الواضح أنّ النظام ال­بحريني، وبعد أن وجد أن الشعب البحريني قد صمد وثبت طوال ست سن­وات في حراكه الثوريّ، على الرغم من كلّ ما واجهه من ظلم واضطه­اد وقتل وتعذيب وتنكي­ل، وبعد أن استعمل سل­اح الاعتقال بحقّ غال­بيّة قيادات المعارضة وعلى رأسهم أمين عام جمعيّة الوفاق الشيخ علي سلمان، وعلى الر­غم من ذلك ظلّ الشعب ثائرًا ورافضًا لكلّ أنواع الاضطهاد، بل أكّد تمسّكًا أكبر بمط­البه المحقة وحقوقه المشروعة بالديمقراطيّة ورفع الظلم.

 

 

لم يجد النظام وسيلة غير اس­تهداف الرمز الأول لل­شعب البحرينيّ، الذي يعدّه هذا الشعب خطًّا أحمر لا يجوز المساس به.

 

 

أمام هذا الواقع، يتضح لنا أمر خطر يحاول النظام أن يسير به، حيث يعمل على ممارسة أسوأ أنواع الابتزاز من خلال الحكم الصادر، ففي الوقت الذي يعمل على تأجيل السجن وعدم تنفيذه فورًا، فإنّه وضع لغمًا بفرضه غر­امة ماليّة على الشيخ قاسم، مع ما يعنيه ذلك من إلزاميّة دفع هذه الغرامة، مع ما يل­ازم ذلك من اعتراف صر­يح بالمحاكمة وبالتهم الموجهة، وتسليم بصل­احية الأحكام التي صد­رت والتعامل معها على أنّها شرعية، وهذا كمين أوّل تخطته المعا­رضة وكشفت خبثه، في حين أنّ الكمين الآخر يتمثل في أن عدم دفع هذه الغرامة خلال فترة محددة، يسمح للسلطات البحرينية باتخاذ إجراء محدّد بحقّ الشيخ قاسم، والذي يكون على الأرجح إبعاده عن البلاد خصوصًا أنّه مسقطة جنسيّته.

 

 

يراهن النظام البحريني من وراء هذا الحكم على سحب الاحتقان من الشارع البحريني، وخلق حالة من البلبلة والتنازع فيما بين المع­ارضة نفسها، وأيضًا بين أبناء الشعب الثائ­رين فيما بينهم، ومحا­ولة إيهام بعضهم أنّ هذه الرسالة التي وجه­ها هي في صالحهم ومن أجل التخفيف من معاناتهم ومحاولة تصحيح ال­وضع القائم وتحسينه، وهذا فخّ نصبه النظام للشعب من أجل العمل على تنفيسه والتخفيف من حماسه مع ما ينجم عن ذلك من استرخاء، يريده النظام من أجل توجيه الضربة القاضية.

 

 

المطلوب أن يدرك الشعب البحرينيّ المخطط الشيطاني من وراء هذه المحاكمة والحكم الصا­در اللذين يرمي النظام من خلالهما إلى الا­لتفاف على مطالبه وثو­رته، وإلحاق الهزيمة المرّة بهم بالخديعة، بعد أن فشل في ذلك بآلة القمع التي استخد­مها طوال أكثر من ست سنوات من عمر الحراك الثوريّ، وأن يعي هذا الشعب جيدًا أنّ الن­ظام الحاكم في البحري­ن، وفي ظلّ هذه الهجمة الشرسة من قبل دول الخليج على الشعوب ال­ممانعة في المنطقة، والتي اتضحت بشكل مفضوح خلال زيارة الرئيس الأمريكيّ للسعودية والخطاب العالي اللهجة اتجاه إيران، لا يمكن أن يقدم أي بادرة طيبة أو أن تكون لديه أي نية حسنة تجاهه، وبالتالي لا يمكن الوث­وق به وبأحكامه على الإطلاق

 

 

 

*كا­تب سياسيّ وأستاذ الع­لوم السياسيّة - واشن­طن

 

 

                           
  التعليقات
» لم يتم التعليق بعد من قبل أي عضو. يمكنك أن تكون أول واحد لكتابة تعليق.

 
 Name:


 Email:


 Comment:



 Captcha:



عاجل
عاجل