فورمولا الدم من جديد... سباق في ضيافةِ مستبدّ..

    Saturday, April 15, 2017


 

 

د. جابر علوش*

 

يستمرّ النظام الحاكم في البحرين على النهج نفسه، الاضطهاد والقتل والتعذيب وممارسة كلّ أنواع الاستبداد تجاه شعب أبي ثائر، خرج قبل أكثر من ستّ سنوات، غير آبه لكلّ أفعال النظام، ولا خائف من ردّات فعل النظام الإجراميّة، ومصمّم على النضال حتى تحقيق كلّ المطالب وعدم الرضوخ أمام كلّ إجراءات النظام.

 

 

الشعب اليوم يثبت مجددًا أنّه مهما مرّت الأيام والسنين، فإنّ الثورة التي انطلقت في الرابع عشر من شباط/ فبراير 2011 مستمرة، بالزخم نفسه والعطاء نفسه والجهد نفسه دون أي تراجع أو تهاون، رغم كلّ المعاناة التي مرّ بها هذا الشعب المقدام، ورغم كلّ ما واجهه من عذاب وآلام على أيدي المستبدين في قوات أمن ومرتزقة.

 

 

يقف الشعب البحريني اليوم مجددًا وقفة واحدة، هي وقفة عزّ في وجه الظلم والجور، مستمرًا في رفض كلّ أشكال الاضطهاد التي يمارسها هذا النظام الإجرامي، مواجهًا بكلّ قوته كلّ أشكال الظلم التي يقوم به النظام ومن يقف خلفه.

 

 

استضافة البحرين لسباق الفورمولا 1 هو تعبير واضح عن أنّ النظام البحرينيّ يضرب بعرض الحائط كلّ المعاناة التي يسببها لشعبه، ويصرّ إصرارًا وقحًا على التعاطي مع الأزمة في البحرين على أنّها غير موجودة، ويصرّ أيضًا على عدم الاعتراف بشعبه.

 

 

لكن الأخطر من ذلك أنّ استضافة النظام الدموي لمثل هذا السباق العالميّ الذي يتابعه العالم كلّه، يمثل ضربة كبرى لكل الدول الغربية التي تدعي حمايتها حقوق الإنسان في العالم، والتي تتظاهر بسعيها الحثيث من أجل الحفاظ على الحريات في كل الدول، في حين أنّها في لحظة الحقيقة، تجدها تقف مع الظلم في وجه الحق، ومع الاستبداد في وجه الحرية، لتعطينا دليلًا إضافيًّا على النفاق الكبير الذي تمارسه هذه الدول في طريقة تعاطيها مع الشعوب الحرة والمستضعفة في العالم، لحساب مصالحها مع الأنظمة الديكتاتورية وبخاصة مع النظام البحريني.

 

 

السماح لنظام البحرين المستبد الدموي بأن يعمل على تبييض صورته أمام العالم من خلال إهدائه استضافة الفورمولا 1، يشكل انتكاسة كبرى لكل القيم والأخلاق في العالم، وهو أمر يدعو إلى الخجل مما تقوم به هذه الدول التي تتحكم بمفاصل العالم. انتكاسة تجعل من الجلاد ضحية، ومن الظالم مظلومًا، وهي أعلى درجات الافتراء والكذب على الشعوب.

 

 

سباق الفورمولا 1 ينطلق هذا العام على حلبة البحرين، وفي جعبة النظام الديكتاتوري الكثير من الانتهاكات والممارسات المتوحشة التي تفنن بها ضد أبناء شعبه، وفي جعبته أيضًا إجرام غير مسبوق من قتل وتعذيب واعتقالات واستدعاءات ظالمة، إلى المداهمات التي تقوم بها أجهزته الأمنية على اختلاف أنواعها، وما تضم هذه الأجهزة من مرتزقة. كل هذا والنظام لا يخجل من أن يستضيف هكذا سباق؛ لأنّ القبضة الإجراميّة الحديديّة التي يفرضها على شعبه، والتي يعتقدها كافية لإسكات صوت الثورة، جعلته يعيش في وهم القادر على الظهور بمظهر الديمقراطي أمام العالم، دون أن يدري أنّ تراكم الانتهاكات التي يمارسها سوف يقوده في نهاية المطاف إلى مرحلة لا يقدر معها على العودة إلى الوراء أبدًا.

 

 

ولا بدّ من أنّ الالتفات إلى أنّ هذا النظام المتوحش، قد عمد في بداية هذا العام إلى ارتكاب أفظع الانتهاكات، عندما أعدم ثلاثة شبّان بدم بارد، ودون محاكمة، في تحد واضح لكل المواثيق والعهود الدولية، وهو ما كان ليقوم بفعلته هذه لولا إدراكه الأكيد أن جريمته هذه مغطاة من كل الدول التي تحاضر وتنافق ليل نهار دفاعًا عن الحريات. وهو كان يعلم جيدًا أنّ هذا الإعدام غير القانوني وغير الأخلاقي، سوف يرد عليه من هذه الدول ببعض البيانات الضعيفة الكاذبة، التي لن تغير من الواقع شيئًا، طالما أنّ مصالح الدول الكبرى هي في بقاء هذا النظام، وطالما هذا النظام يؤمن لهذه الدول المنافقة ما تحتاج إليه من مصالح في الخليج، وبالأخص إعلانه بشكل صريح عن عداوته للجمهورية الإسلامية في إيران، وهنا بيت القصيد.

 

 

أمام هذا الواقع المتردي، وأمام كل هذه الممارسات القبيحة التي يقوم بها النظام، وأمام سكوت العالم المتحضر – أو الذي يدّعي التحضر –، لا يتبقى أمام الشعب البحريني سوى الاعتماد على نفسه في المواجهة، مدعومًا ببعض الشرفاء المتبقين في العالم.

 

 

الشعب البحريني أثبت منذ سنوات حتى اليوم أنّه شعب عنيد وبطل، وأنّ ثورته التي أطلقها قبل أكثر من ست سنوات هي الحل الوحيد أمامه من أجل استعادة حقوقه، وهو يدرك تمامًا أنّ النضال الثوري الذي اعتمده خلال سنوات ثورته، أربك النظام وجعله يتخبط ويلجأ إلى حلفائه من أجل أن يحافظوا على بقائه. وهذا ما لم يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، والتاريخ يشهد على ذلك، حيث كانت الثورات الصادقة والحقيقية هي التي تنتصر دائمًا، والأنظمة الديكتاتورية والمجرمة هي الساقطة على الدوام.

 

 

أمام الشعب البحريني اليوم فرصة جديدة لإظهار مظلوميّته أمام العالم، وطالما أنّ سباق الفورمولا 1 قائم لا محالة، إذًا فليستغل الشعب البحريني بنشطائه والحقوقيّين والاجتماعيّين والسياسيّين وإعلاميّيه، هذا التجمع الكبير، وفي وجود أعداد كبيرة جدًا من الصحفيّين والإعلاميّين الأجانب، ومن مئات وسائل الإعلام العالميّة، فليستغل وجود هؤلاء لإيصال المعاناة التي يواجهها، وليرِ العالم أجمع كيف أنه يتعرض لأقسى أنواع الاضطهاد والإجرام على أيدي هذا النظام الذي يستضيف هذا السباق. فيلجعل الشعب البحريني من هذا السباق ومن هذا التجمع العالمي، فرصة له لتعرية النظام المستبد، وليعمل جاهدًا على أن يصل الصوت إلى كل العالم، حتى لو كان هذا العالم مصرًا على عدم الاستماع.

 

 

*باحث في الشؤون العربيّة

 

 

                           
  التعليقات
» لم يتم التعليق بعد من قبل أي عضو. يمكنك أن تكون أول واحد لكتابة تعليق.

 
 Name:


 Email:


 Comment:



 Captcha:



عاجل
عاجل