د. عماد رزق: شكّلت الأزمة اليمنيّة في الآونة الأخيرة، محور الاهتمام السعوديّ وقلقه في الوقت نفسه، حيث تدحرجت المجريات بشكل لم تعد تستطيع السكوت عمّا يمكن أن تحمله من تبعات، يمكن أن تؤثر على نفوذها
د. عماد رزق*
شكّلت الأزمة اليمنيّة في الآونة الأخيرة، محور الاهتمام السعوديّ وقلقه في الوقت نفسه، حيث تدحرجت المجريات بشكل لم تعد تستطيع السكوت عمّا يمكن أن تحمله من تبعات، يمكن أن تؤثر على نفوذها الكبير في بعض الدول.
ولعلّا الحديث عمّا حصل في اليمن، سوف يجرّنا إلى الكثير من الأحداث التي شهدتها المنطقة في الأربع سنوات الماضية، ما جعل الدول تعيش حالة من البلبلة والصراعات غير المسبوقة. ويمكن القول أنّ السعوديّة كان لها الدور الكبير في إحداث هذه الاضطرابات في معظم الدول، أملًا منها في اتساع نفوذها على أكثر من دولة عربيّة، فكان تدخّلها الواضح في سوريا والعراق وليبيا ومصر خير مثال، في حين أمعنت بشكل فاضح بتدخّلها في البحرين واليمن عبر إرسال قوّات عسكريّة للعمل على مساعدة ما تعتبره السلطة الشرعيّة في هذين البلدين.
تعتبر السعوديّة البحرين واليمن الخاصرتين اللتين يجب أن تحافظ على سلطتهما الموالية لها مهما كانت الأثمان، ومهما كان حجم الانتهاك الذي قد يُحدثه تدخّلها في هاتين الدولتين. ومن هنا شكّلت الانتفاضة الشعبيّة السلميّة لشعب البحرين، والتي انطلقت في شباط/ فبراير 2011 أولى بوادر القلق السعوديّ، وأبرزت بشكل كبير ارتباكه وضعفه وعدم قدرته على مجاراة مطالب الشعوب، واعتبارها تهديدًا وجوديًّا لنظامه الملكيّ المتعجرف والهرم. كما شكّلت أيضًا الاضطرابات في اليمن قلقًا إضافيًّا للنظام السعوديّ، ورعبًا حقيقيًّا من أن يسقط هذا البلد بأيدي خصومه، خاصة بعد الانتكاسات المتكرّرة التي تعرّضت لها السعوديّة في سوريا والعراق، وعدم تمكّنها من تحقيق أيّ نتائج من دعمها للمتطرّفين والإرهابيّين، بل على العكس فقد منيت بهزيمة كبيرة، ما أفقدها صوابها وأدّى بها إلى التصرّف بشكل هستيريّ والمسارعة إلى التدخّل العسكريّ في اليمن، وتشكيل حلف من عدّة دول، والإقدام على خطوة جنونيّة ستكون عواقبها كبيرة.
هذا الإمعان السعوديّ في التصرّف، على أنّ السعوديّة هي صاحبة الحقّ في تحديد نوعيّة الأنظمة الحاكمة في المنطقة، وأنّها هي التي تحدّد من يملك الشرعيّة أو لا يملكها، أوضح بما لا يدع مجالًا للشكّ، أنّ هذا النظام المتآكل من الداخل، يسعى إلى الحفاظ على نفسه، ولو أدّى ذلك إلى إراقة الدماء في كلّ دول المنطقة، ولو أدّى أيضاً إلى تخريب الممتلكات وتدمير الدول بشكل كامل.
وبرزت العنجهيّة السعوديّة في اتخاذ قرار بالحرب على الشعب اليمنيّ، مع ما يعانيه هذا الشعب من أزمات وظلم بسبب النظام الذي كان قائمًا والمدعوم بشكل كلّيّ منها، حيث عمدت إلى تشكيل حلف كبير تحت مسمّى «عاصفة الحزم»، الهدف منه على حدّ تعبير السعوديّة، إعادة الشرعيّة إلى اليمن، والقضاء على من أسمتهم بالانقلابيّين الذين هم، وللمفارقة، أغلبيّة الشعب اليمنيّ. ونسيت السعوديّة أو تناست تدخّلها السافر في سوريا للانقلاب على النظام الشرعيّ الحاكم فيه، وانتهاكها لأمن العراق ودعمها الإرهابيّين في مواجهة الدولة الشرعيّة، وهنا تكمن المفارقة العجيبة، حيث إنّ من دعمتهم السعوديّة في سوريا والعراق هم في أغلبيّتهم الساحقة مرتزقة من مختلف أنحاء العالم، ولا يشكّل أبناء البلد منهم سوى نسبة قليلة جدًّا، في حين أنّ من تتهمهم بالانقلاب على الشرعيّة في اليمن والبحرين هم الشعب الأصليّ، وأبناء البلد الذين كان همّهم الأكبر عدم المساس بالبنى التحتيّة لبلدهم، وعدم الانجرار إلى العنف.
الجنون السعوديّ برز أكثر عندما أصرّت الولايات المتّحدة الأمريكيّة على الحوار مع إيران والوصول إلى اتفاق حول ملفّها النوويّ، ضاربة بعرض الحائط كلّ المحاولات السعوديّة في ثنيها عن تحقيق نتيجة من هذا الحوار، بل عمدت أمريكا إلى التفاوض الحثيث مع إيران، ما جعل السعوديّة تعيش حالة من الرعب الحقيقيّ، بعد تنامي النفوذ الإيرانيّ في المنطقة، مقدّمًا نفسه على أنّه داعم للحقوق المشروعة لكلّ الشعوب، في مقابل تقديم السعوديّة نفسها على أنّها مخرّبة للدول وسافكة لدماء الشعوب.
إذاً، العدوان السعوديّ الغاشم على اليمن، لن يتمكّن من تحقيق أيّ من الأهداف المرجوّة، وهو وإن حظي بدعم كلاميّ أميركيّ، لتعمية السعوديّة وإسكاتها عمّا يحصل من مفاوضات حقيقيّة وجدّية مع طهران، فإنّ السعوديّة لم تتمكّن حتى الآن من تحقيق أي شيء يذكر على الأرض من خلال الضربات الجويّة، بل على العكس، فإنّ الجيش اليمنيّ واللجان الشعبيّة ما تزال تحقّق التقدّم رغم الهجمة الهمجيّة للتحالف العربيّ. والأسوأ بالنسبة للسعوديّة أنّ أمريكا وإيران قد وقّعا على اتفاق بخصوص الملف النوويّ، في خضم انشغال السعوديّة بحربها على اليمن، حيث كان الغباء السعوديّ بتصوّر أنّ إعلان حربهم على اليمن، سوف يكبح الانطلاقة الأمريكيّة في تفاوضها مع إيران، ويعيد خلط الحسابات، وتعود بالتالي السعوديّة لبسط نفوذها على المنطقة.
هذا الحلم السعوديّ البعيد المنال، تحوّل إلى كابوس يؤرق أركان النظام في الرياض، وجعلهم يتردّدون في الدخول البرّي إلى اليمن، مستذكرين هزيمتهم القاسية التي تعرّضوا لها قبل حوالي ستّ سنوات، وفي اليمن بالتحديد وعلى أيدي الجماعة نفسها التي يقاتلونها الآن، يضاف إليها الجيش اليمنيّ الذي كان في ذلك الوقت إلى جانب السعوديّة. وهو كابوس قد بدأ يخيّم على آل سعود بعد سلسلة الهزائم المتعدّدة التي تعرّض لها النظام، في مختلف ساحات المواجهة، ما دفعه إلى الردّ بشكل عنيف وعشوائيّ، دون أن يحسب أيّ حساب للنتائج التي قد تنتجها هذه الحرب، ومما لا شكّ فيه أنّ الإدارة الأميركيّة تعي جيّدًا حجم التورّط السعوديّ في حرب كهذه، دون أن يكون لدى السعوديّة أيّ أهداف واضحة من هذا العدوان، وتستذكر أمريكا في هذه الأوقات العدوان الإسرائيليّ على لبنان في تموز 2006، حيث وضعت إسرائيل حينها أهدافًا شبه مستحيلة، منها القضاء على حزب الله وإبعاده عن الحدود مع فلسطين المحتلّة، وأيضاً العدوان على غزّة الذي كانت أهدافه أيضًا القضاء على حماس والجهاد الإسلاميّ، وكلّها أهداف لم يتحقق أيّ منها سواء في لبنان أو في غزة، بل ومنيت إسرائيل بهزائم قاسية. لذا نجد أنّ العدوان السعوديّ على اليمن نسخة مقلّدة عن العدوان الإسرائيليّ على الشعوب العربيّة، لكن بجيوش عربيّة وتخطيط عربيّ وسلاح غربيّ.
عن أنظمة الخيانة والتسلّط يدافع آل سعود، وهم لا يريدون للشعوب العربيّة أن تتحرّر، وكما كانت إسرائيل حاضرة في الستينيّات بقوّة في العدوان السعوديّ على اليمن، فإنّها حاضرة اليوم أيضًا في هذا العدوان، مثبتًا التحالف السرّي– العلنيّ بين السعوديّة وإسرائيل، والأهداف المشتركة التي تجمع بينهما.
*باحث استراتيجيّ
رابط المختصر
:
manamapost.com/?p=2015070131
المواضیع ذات الصلة
أسرار واعترافات… ضابط الدرك الأردنيّ في البحرين: «عناصر من الدرك الأردنيّ شاركوا في هجوم الدراز فجرًا» 2-3
أسرار واعترافات.. ضابط الدرك الأردنيّ في البحرين: «جئنا من أجل المال.. ولسنا مضطرّين إلى تحمّل نتائج سقوط هذا النظام» 1-3
أسرار واعترافات.. «الدرك الأردنيّ في قبضة منامة بوست»