منامة بوست (خاص): يقول مستر همفر في مذكّراته: «وقد كنت أيام مغادرتي البصرة إلى كربلاء والنجف، قلقاً أشدّ القلق على مصير «الشيخ محمّد عبد الوهاب»، حيث كنت لا آمن الانحراف عن الطريقة التي رسمتها له، فإنّه كان شديد التلوّن، عصبيّ المزاج، فكنت أخشى أن تنهار كلّ آمالي التي بنيتها عليه.
إنّه حين أردت أن أفارقه كان يروم الذهاب إلى الآستانة للتطلّع عليها، لكنّي منعته عن ذلك أشدّ المنع، وقلت له «أخاف أن تقول هناك شيئا ما يوجب أن يكفّروك ومصيرك حيذاك القتل”، قلت له هكذا، لكن كان في نفسي شيءٌ آخر وهو أن يلتقي ببعض العلماء هناك فيقوّم معوجّه، ويرجعه إلى طريق أهل السنة فتنهار كلّ آمالي».
إلّا أنّ سكرتير وزارة المستعمرات، قد طمأنه بأنّ محمّد بن عبدالوهاب لا زال على الطريقة المرسومة له، وأضاف همفر في أخطر مقطع من مذكّراته « لقد كان رائعاً جداً ما وجدته في هذا الكتاب واسمه «كيف نحطّم الإسلام»، وكان أفضل برنامج لعملي فى المستقبل، وقد قال لي السكرتير – حين أرجعت الكتاب إليه وأبديت إعجابي الشديد به – أعلم أنّك لست في الميدان وحدك، بل هنا جنود مخلصون يعملون نفس عملك، والذين جنّدتهم الوزارة إلى الآن لهذه المهمّة أكثر من خمسة آلاف شخص، وتُفكّر الوزارة فى أن تزيد عددهم إلى مائة ألف، ويوم وصلنا إلى تجنيد هذا العدد، فإنّه هو اليوم الذي نستولي فيه على المسلمين كافّةً ونكون قد نسفنا الإسلام وبلاده نسفاً كاملاً ».
وقال السكرتير، «إنّ الحروب الصليبيّة لم تكن ذات جدوى، كما أنّ «المغول» لم ينفعوا في قلع جذور الإسلام لأنّ عملهم كان ارتجالاً بدون حكمة وتخطيط، وكانوا يعملون أعمالاً عسكريّة ظاهرة العدوان، ولذا فإنّهم انحسروا بسرعة. أمّا الآن فقد اتجه تفكير القادة من حكومتنا العظمى إلى هدم الإسلام من داخله تحت خطّة مدروسه دقيقة، وبصبر طويل ونهائي.
صحيح أننا نحتاج إلي الحسم العسكريّ أخيراً، لكنّ الحسم العسكريّ سيأتي في المرحلة الأخيرة، حيث نكون أنهكنا بلاد الإسلام وضربنا الإسلام بالمعاول في كلّ جوانبه، حتى صار لا يقوى على تجميع قواه وردّ الحرب بالمثل.
ثم أردف السكرتير أيضاً، «إنّ عملاءنا بالآستانة عملوا بنفس الخطّة التي قرّرناها نحن، فقد تغلغلوا في أوساط المسلمين ففتحوا المدارس لتربية أولادهم، وأسّسوا الكنائس في أوساطهم، ونشروا بينهم الخمر والقمار والدعارة، وشكّكوا شبابهم في دينهم، وأثاروا بين حكوماتهم النزاعات، وأشعلوا هنا وهناك بينهم الفتن وملأوا بيوت كبارهم بالحسناوات المسيحيّات، حتى ضعفت شوكتهم، وقلّ تمسّكهم بدينهم، ووهنت وحدتهم وإلفتهم. وإذا بالعظماء يشنّون عليهم حروباً عسكريّةً خاطفةً، فيُقتلع الإسلام عن جذوره في تلك البلاد».
المذكّرات تذكر أنّ سكرتير وزارة المستعمرات أطلع «مستر همفر» على سرّ خطير، هو عبارة عن خطّة هذه بنودها:
1- التعاون الأكيد مع قياصرة روسيا للاستيلاء على المنطقة الإسلاميّة من بخارى، وطاجكستان، وأرمينيا، وخراسان وما والاها. وهكذا التعاون الأكيد معهم في الاستيلاء على أطراف بلاد الترك المحاددة لروسيا.
2- التعاون الأكيد مع فرنسا وروسيا في وضع خطّة شاملة لتحطيم العالم الإسلاميّ من الداخل والخارج.
3- إثارة النزاعات والخلافات الشديدة بين الدولتين التركيّة والفارسيّة، وإذكاء الطائفة والعرقيّة بين الجانبين، وإشعال النزاعات بين كلّ متجاورين من القبائل والشعوب الإسلاميّة، وكذلك بين البلاد الإسلاميّة وإحياء المذاهب الدينيّة – حتى البائدة منها، وإثارة النزاعات بينها.
4- إعطاء قطع من البلاد الإسلاميّة بيد غير المسلمين «فأولاً» يثرب لليهود، «وثانياً» الإسكندريّة للمسيحيين، «وثالثاً» يزد للزرادشت البارسيين، «ورابعاً» عمارة للصابئة، «وخامساً» كرمانشاه للذين يؤلّهون علي بن أبي طالب، «وسادساً» الموصل لليزيديّة، «وسابعاً» خليج فارس للهندوس بعد أن يستوردوا كميّات كبيرة من الهند، «وثامناً» طرابلس للدروز، «وتاسعاً» قارض للعلويين، «وعاشراً» مسقط للخوارج.
ثمّ – اللازم تقوية هؤلاء بالمال والسلاح والخطط والخبرة لتكون هذه الفئات أشواكاً في جسم الإسلام، ويتمّ توسيع بلادها حتى تُحطّم كلّ البلاد الإسلاميّة.
5- التخطيط لتبضيع حكومتي الإسلام التركيّة والفارسيّة إلى أكبر عدد ممكن من الحكومات المحليّة الصغيرة المتنازعة – كما هو الحال الآن في الهند من قاعدة «فرّق تسُد» و «فرّق تُحطّم».
6- زرع الأديان والمذاهب المزيّفة في جسم بلاد الإسلام، واللازم لذلك تخطيط دقيق يلائم كلّ دين من تلك الأديان، مع هوى جمع من أهل البلاد – مثلاً، اللازم زرع أربعة أديان فى جسم بلاد الشيعة، دين يؤلّه الحسين بن علي، ودين يعبُد جعفر الصادق، ودين يعبُد المهديّ الموعود، ودين يعبد علي الرضا، والمكان المناسب للأوّل «كربلاء» والثاني «أصفهان» وللثالث «سامرّاء» وللرابع «خراسان».
كما أنّه من اللازم جعل المذاهب الأربعة السنيّة أدياناً مستقلّة لا ارتباط بين بعضها البعض، وإعادة الخلافات الدمويّة بينها، والدسُّ في كتبها حتى ترى كلّ فئة منهم أنّهم المسلمون فقط، وأنّ ما عداهم كفّار يجب قتلهم وإبادتهم.
7- نشر الفساد بين المسلمين بالزنا، واللواط، والخمر، والقمار. وأفضل وسيلة لذلك هم أصحاب الأديان السابقة الباقية فى هذه البلاد، فاللازم أن يكون منهم جيش كثيف لهذه الغاية.
8- الاهتمام لزرع الحكّام الفاسدين في البلاد، بحيث يكونون آلة بيد الوزارة يأتمرون بأوامرها وينتهون عن زواجرها، والضروري تسريب مآربنا عبرهم إلى البلاد وإلى المسلمين، وإن أمكن أن يكون الحاكم غير مسلم واقعاً فهو المُفضّل، وعليه فمن الضروري إدخال أفراد في الإسلام صورةً، ثم إيصالهم إلى مراكز الحكم لتطبيق المآرب بواسطتهم.
9- منع اللغة العربيّة حسب الإمكان، وتوسيع اللغات غير العربيّة مثل «السنسكريتيّة» و «البارسيّة» و «الكرديّة» و «البشتو»، وإحياء اللغات الأصليّة الدائرة في البلاد العربيّة، وتوسيع نطاق اللهجات المحليّة المتفرّعة عن العربيّة، والتي توجب قطع العرب عن اللغة الفصيحة التي هي لغة القرآن والسنّة.
10- زرع العملاء حول الحكّام وإيصالهم إلى رتبة المستشارين لهم؛ حتى يتسنّى للوزارة النفوذ فيهم عبر المستشارين، ومن أفضل السبل لذلك العبيد والجواري ذووا الكفاءات العالية، فاللازم تربية أولئك في الوزارة ثم بيعهم في أسواق النخّاسة إلى المقرّبين من الحكّام، كأولاد الحكّام وزوجاتهم، وذوي الرأي لديهم، حتى يتقرّبوا إلى الحكّام تدريجاً، ويكونون بعد ذلك أمّهات الحكّام ومستشاريهم فيحيطون بهم كالسوار بالمعصم.
11- توسيع نطاق التبشير بإدخال المبشّرين في كلّ صنف خصوصاً المحاسبين والأطباء والمهندسين ومن إليهم، وزرع الكنائس والمدارس، والمصحّات، ودور الكتب، والجمعيّات الخيريّة، في عرض بلاد الإسلام وطولها، ونشر ملايين الكتب المسيحيّة في أوساط المسلمين مجاناً وبلا عوض، والاهتمام لوضع التاريخ المسيحي إلى جنب التاريخ الإسلاميّ، وزرع الجواسيس والعملاء في الأديرة والصوامع باسم الرهبان والراهبات، مهمّتهم تسهيل الاتصالات والتحرّكات المسيحيّة واستطلاع حركات المسلمين وأوضاعهم وشؤونهم. كما أنّه من اللازم تكوين جيش كثيف من العلماء من أجل تشويه تاريخ المسلمين والدسّ فى كتبهم، بعد الاطّلاع الكامل على أحوالهم وأوضاعهم.
12- تمييع شباب المسلمين بناتاً وأولاداً، وتشكيكهم في دينهم وتفسيد أخلاقهم عن طريق المدارس والكتب والنوادي والنشرات. والأصدقاء من غير المسلمين يهيؤون لهذا الشأن، فمن الضروري تكوين جميعيّات سريّة من شباب اليهود والنصارى وغيرهما؛ من أجل أن يكونوا مصائداً لصيد شباب المسلمين بكلّ الطرق.
13- إشعال الحروب والثورات الداخليّة والحدوديّة بين المسلمين وغير المسلمين، وبين المسلمين أنفسهم على طول الزمان لتستنفد قوى المسلمين وتشغلهم عن التفكير في التقدُّم وتوحيد الصفّ، ولتستنزف طاقاتهم الفكريّة ومواردهم الماليّة، وتُفني شبابهم وذوي النشاط منهم، وتنشر الفوضى والإرباك والشغب فيهم.
14- تحطيم كلّ أنواع اقتصاديّاتهم من مزارع ومعاش وتهديم السدود، وطمس الأنهُر والسعي لتفشّي البطالة فيهم بتنفيرهم عن العمل، وفتح محلّات للبطالة، وتكثير مستعملي «الأفيون» وسائر المواد المخدّرة. – «مذكّرات مستر همفر في البلاد الإسلامية ص: 75-81».
الأفكار التي ساقتها وزارة المستعمرات البريطانيّة ونفّذها عميلهم مستر همفر، كانت اللبنة الأساس للسياسات الأمريكيّة في الشرق الأوسط، وهي تسير على الرتم نفسه مع تبدُّل التكتيكات والأدوات.
نجح الغربيون في إعادة المشهد السياسيّ، واجتاحت مفاهيم الغرب دول الشرق تحت غطاء الديمقراطيّة وحقوق الإنسان، ما دفع القوى المتصارعة في الشرق الأوسط عموماً وعند العرب خصوصاً لحالة فوضى عارمة، مسدودة الأبواب إلا باب واشنطن ولندن.
وقد كتب الباحث صلاح عبدالعاطي مقالاً بعنوان «مشروع الشرق الأوسط وتداعياته على الأمن القوميّ العربيّ»، قال فيه «وتشير بعض الدراسات إلى أنّ مشروع الشرق الأوسط الجديد، قُدّم لأوّل مرّة من قبل «التجمّع من أجل السلام»، وهي هيئة غير حكوميّة تشكّلت في القدس سنة 1968، بهدف تشجيع المبادرات الرامية لإزالة أسباب الصراع العربيّ – الإسرائيليّ، وتضمّ الهيئة كتّاباً ومفكّرين ومثقّفين وصحفيين. ويقول «بيريز» إنّه طرح المشروع سنة 1985 وسمّاه بمشروع مارشال الشرق الأوسط، وإنّ الدكتور مصطفى خليل – رئيس الحزب الوطنيّ الديمقراطيّ في مصر آنذاك – شارك في وضع تفاصيل هذا المشروع. وترافقت مع الدعوة إلى إنشاء النظام الاقتصاديّ الشرق أوسطي مفاوضات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والتي نجم عنها اتفاق غزّة – أريحا.
ولئن كانت فكرة النظام الشرق أوسطي الجديد وفق مفهوم مستشار الأمن القوميّ الأمريكيّ «مارتن أندك» تعني إعادة هيكلة هذه المنطقة على بنى جديدة أو مفهوم «بيريز»، الذي يقصد به إقامة «نظام التفاعلات السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة، يرتكز على اعتبارات التقارب الجغرافي والتعاون المشترك على مختلف الأصعدة»، فأنّها تهدف في الوقت نفسه إلى مواجهة مشروع العرب الحضاريّ المستقلّ، وإضعاف المرتكزات السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة للنظام العربي، وذلك من خلال إلغاء المقاطعة لإسرائيل وتدعيم قدراتها السياسيّة والعسكريّة وفتح الأبواب أمام نموذج الغرب الرأسمالي بأفكاره وقيمه، وإعادة ترتيب التوازنات الإقليميّة في المنطقة، بما يضمن دمج إسرائيل فيها وإنهاء الصراع العربيّ الإسرائيلي وإقامة علاقات عربيّة- إسرائيليّة في إطار مشروعات شرق أوسطيّة مشتركة».(1)
هذا النجاح كاد أن يكون باهراً في المشروع الكبير والاستراتيجيّ لما يُسمّون بالمحافظين الأمريكيين الجدُد، المشروع الذي حمل اسم «الشرق الأوسط الجديد»، القائم على إعادة ترسيم حدود سايكس- بيكو، ينحو إلى تعميق الهوّات التي أشار لها “همفر” في كتابه.
فنظرة على الخريطة المفترضة للشرق الأوسط الجديد، سنرى أنّ الترسيم قائم على فرز عرقيّ ودينيّ ولغويّ وطائفيّ وقوميّ، مما يُشعل الغرائز البينيّة. وما يحدث في سوريا والعراق هذه الأيّام هو النموذج الأقرب لترسيخ تلك الأهداف.
فماذا فعل محمّد بن عبدالوهاب لبذر تلك «البذرة السيّئة» في أرض العرب؟ وكيف استطاع الإنجليز بناء استراتيجيّتهم عبر صنع ابن عبدالوهاب وخلق الرابطة بينه وبين آل سعود؟ كلّ ذلك سنعرفه في الحلقة القادمة.
هامش:
مشروع الشرق الأوسط – صلاح عبدالعاطي – الحوار المتمدّن
وصلة الحلقة الأولى
وصلة الحلقة الثالثة