عباس المرشد *
لا تبدو في الأفق أيّة مؤشّرات تدلّ على وجود تحوّل ديمقراطيّ مقبول به في الدول العربيّة إذا ما تمّ استثناء التجربة التونسيّة. فالأحداث التي توالت منذ بداية هذا العام توّجت بإعادة بناء الأنظمة المستبدّة وإسباغ طابع الشرعيّة الديمقراطيّة عليها من خلال إجراء انتخابات شكليّة مضمونة النتائج سلفا. في السياق نفسه تأتي الانتخابات البرلمانيّة البحرينيّة المقرر عقدها في نوفمبر 2014، وهي الرابعة من نوعها منذ الإعلان عن مشروع الإصلاح السياسيّ في البحرين مطلع 2000.
البناء المنهدم
المتابع للتجربة البرلمانيّة البحرينيّة يتأكّد تماماً أنّ الاستمرار في عقدها بالصورة السائدة لا يعني سوى إضفاء الشكل الديمقراطيّ على النظام، ولكن من غير وجود لبنية ديمقراطيّة قادرة على تطوير نفسها، وهذا ما يجعل من العمليّة الانتخابيّة عمليّة فاقدة للقيمة السياسيّة الديمقراطيّة. فالتجربة المشار إليها رغم تكرارها لم تتنتج سلعة ديمقراطيّة يمكن شراؤها ، وحتى عندما شاركت بعض قوى المعارضة فيها «انتخابات 2006» لم تقوَ تلك القوى على التصريح بأنّ تجربتها قابلة للتأسيس، أمّا الدورة المنتهية فقد كانت كارثيّة بكلّ ما تحمل كلمة كارثة من معنى! فقد كانت مثالاً لفقدان الاحترام المؤسساتيّ من حيث الأداء أو المواقف، أو التوقّعات فأنتج المجلس كلّ ما ترغب فيه السلطة من تشريعات وقوانين لم تكن تحلم بتمريرها على أي مجلس سابق.
ما يمكن اختصاره هنا أنّ عمليّة الانتخابات، وتشكيل مجلس النوّاب هي الشكل الخارجيّ لبنية أكثر انحرافاً عن المسار الديمقراطيّ، فخلف هذه الصورة تقبع القوانين المؤسّسة لإعادة إنتاج النظام السياسيّ، وفرملة التحوّل الديمقراطيّ. إذ لا يمكن الذهاب بالقول أنّ هناك مساحة للتحوّل الديمقراطيّ في ظلّ التشبّث بمبدأ المناصفة في تشكيل السلطة التشريعة «انتخاب 40 نائباً مقابل تعيين 40 آخرين في مجلس الشورى»، وفي ظلّ وجود ترسانة ضخمة من التشريعات المعيقة، إن لم تكن القاضية لأيّ توجّه ديمقراطيّ داخل مجلس النوّاب، كممارسة الرقابة والمحاسبة أو الاستقلال عن توجهات السلطة التنفيذيّة. بعبارة أخرى فإنّ النظام السياسيّ قائم على مبدأ احتكار السلطة الفعليّة، وتوحيدها في طرف وحيد، حيث لا تسمح مفاصل هذا النظام لأيّ قوى بدخول المنافسة، أو المشاركة في صناعة القرار، ورسم الاستراتيجيّات العموميّة والذي يعبّر عنه باحتكار السلطات الثلاث في صلاحيّات واسعة يعطيها الدستور وقانون مجلس النوّاب والشورى لصالح رأس الهرم السياسيّ الملك والسلطة التنفيذيّة.(1)
وبالتالي فإنّ أساس الديمقراطيّة الأهم والأبرز، وهو فصل السلطات والسيادة الشعبيّة يبقيان مغيّبان عن العملية الانتخابيّة، وهذا ما يفقد الأخيرة طمعها الديمقراطيّ، ويحوّلها لأداة توظف في إعادة إنتاج المنهدم والمرفوض.
الخيارات الممارسة
رغم ما تقدّم إلا أنّ الخيارات السياسيّة تكون بطبيعتها محكومة لشبكة المصالح المرتبطة بنظام توزيع الثروة والقدرة. ولكنّ هذه الخيارات تتحوّل في بيئة سياسيّة مقيدة لنوع من أنواع الزبائنيّة، ومتطلّبات إعادة الانتاج التي يجهد النظام السياسي في تقويتها، واستمراره في سدّة حجرة السيطرة. ففي الوقت الذي جهدت مؤسّسات الدولة في الترويج للمشاركة، وأطلق فيه معهد التنمية السياسيّة برنامجاً تدريبيّاً شمل سلسلة ندوات توعويّة وتخصّصية حيث نظّم المعهد ثلاث دورات تدريبيّة خلال شهر فبراير(2)، سارعت القوى الموالية (3) إلى محاولة توحيد صفوفها الانتخابيّة والسعي لتشكيل ائتلاف انتخابيّ يضم ائتلاف الجمعيّات الوطنيّة «جمعيّات تيّار الفاتح»، وذلك لخوض الانتخابات النيابيّة والبلديّة دون أن تخفي استثارتها لقوى المعارضة عبر تكرار التصريح أنّ مرشّحيها سيترشّحون في الدوائر المحسوبة على المعارضة «18 معقدا»، وكأنّها رسالة مبطّنة لقوى المعارضة بأنّ قوى الموالاة ستأخذ تلك المقاعد في حال استمرّت المعارضة في مقاطعتها للانتخابات.
بدورها كانت قوى المعارضة قد أعلنت مقاطعتها للانتخابات، وحدّدت مجموعة من الشروط للمشاركة فيها.
وقالت جمعيّات المعارضة في بيان أصدرته في الأوّل من يونيو بعد اجتماع عقد في مقرّ جمعيّة الوفاق الوطنيّ، إنّ مشاركة المعارضة في أيّ انتخابات قادمة متوقفة على وجود اتفاق سياسيّ واضح، يفضي إلى توافق على صياغة دستوريّة جديدة تحقق المبدأ الدستوريّ «نظام الحكم في البحرين ديمقراطيّ، السيادة فيه للشعب، وهو مصدر السلطات جميعاً». واعتبرت «أنّ ترجمة هذا المبدأ تكون عبر تحقق انتخابات حرّة ونزيهة تقوم على أساس المساواة بين المواطنين، ومجلس تشريعيّ يختصّ لوحده بكامل الصلاحيّة التشريعيّة والرقابيّة، وحكومة منتخبة تمثل الإرادة الشعبية، وقيام قضاء مستقلّ وأمن للجميع».
إزاء ذلك، من الواضح أنّ امتناع النظام السياسيّ عن التعليق الرسميّ على هذه المقاطعة، وقيام ملك البلاد بزيارات للمحافظات وتشجيع أفرادها على المشاركة يعطي مؤشراً واضحاً على أنّ النظام رغم حرصه على مشاركة قوى المعارضة وتوظيف تلك المشاركة سياسيّاً وبما يخدم العلاقات العامة القائمة على تشكيل رأي عام بأنّ الأزمة في البحرين منتهية، رغم ذلك فإنّ النظام لا يبدو مكترثاً تماماً بالمقاطعة، وهو مقتنع بأنّ إجراء الانتخابات في وقتها وبمن حضر كافية لأن يمرر مقولة الإصلاح المستمرّ والالتزام بالديمقراطيّة، حتى وإن كانت شكليّة ومستبعداً منها أكثر من نصف الكتلة الانتخابيّة المصوّتة، وربما يحقق النظام جراء استمراره في قناعته بشكلانيّة الديمقراطيّة بعضاً من المكاسب، لإعادة اتجاه الضغط الدوليّ ناحية قوى المعارضة، وتحمليها مسؤوليّة تضييع الفرص السياسيّة.
وبرأي العديد من المراقبين، فإنّ تلك الفوائد والمكاسب لن تكون حقيقيّة لأنّها متّصلة عميقا بأزمة لا تزال غير منتهية، إن لم تكن متفاقمة، وهذا يعني رجوع اتجاه الضغط بشكل عكسيّ على النظام لأنّه لم يستوعب مطالب فئات عريضة من المجتمع، ولم يقدّم تنازلات سياسيّة يعتدّ بها.
*باحث بحرينيّ
هوامش:
(1) تنص الفقرة هـ- من مرسوم بقانون رقم 14 لسنة 2002 بشأن مباشرة الحقوق السياسية على إعطاء القيادات العسكرية صلاحية منع أو توجيه منتسبيها في الانتخابات «يسري في شأن منتسبي قوة دفاع البحرين وقوات الأمن العام والحرس الوطني فيما يتعلق بمباشرة حق الانتخاب، ما تنص عليه القوانين والأنظمة والتعليمات الخاصة بخدمتهم في هذا الشأن».
(2) التنمية السياسية ينظّم ندوة “العملية الانتخابية في مملكة البحرين” 24/2/ 2014
(3) صحيفة الشرق : رئيس تجمع الوحدة الوطنية في البحرين، الشيخ عبداللطيف المحمود، لـ«الشرق» عن توجهٍ لتشكيل ائتلاف انتخابي المقررة في خريف 2014