Saturday 05,Apr,2025 12:27

صحيفة بحرينية مستقلة

صحيفة بحرينية مستقلة

مرحلة ما بعد الاستفتاء.. «ما قبل سقوط النظام»

د. جيرارد رود: قبل أكثر من ثلاث سنوات، خرجت جماهير عريضة من أبناء الشعب البحرينيّ للمطالبة بحقوقها المسلوبة، ولتُعبِّر عن رأيها في رفض الظلم والاستبداد الذي تتعرّض له على مرّ عقود من الزمن.

د. جيرارد رود*

قبل أكثر من ثلاث سنوات، خرجت جماهير عريضة من أبناء الشعب البحرينيّ للمطالبة بحقوقها المسلوبة، ولتُعبِّر عن رأيها في رفض الظلم والاستبداد الذي تتعرّض له على مرّ عقود من الزمن.

وجُوبهت هذه المظاهرات الجماهيريّة بقمعٍ لا حدود له من نظام البحرين، وسلسلة واسعة من الانتهاكات التي طالت حتّى الأطفال والنساء، حتّى أضحت البحرين من بين الدول القلائل التي تزجُّ بأطفالها في السجون.

طوال هذه الفترة، كان الشعب مُصرًّا على السلميّة المُطلقة، وهو نادى بكلّ مطالبه بسلميّة، مع مراعاة الحفاظ على الممتلكات العامّة التي هي مُلك الشعب، دون التعرّض حتّى لرجال الأمن الذين كانوا يعملون على قمعه واضطهاده وقتله.

في ظلّ هذه الظروف، استمرّ الشعب في النضال، ولم يتراجع أو يتخاذل أمام ديكتاتوريّة النظام، بل أصرّ على المُضيِّ قُدُمًا لتحقيق الأهداف التي نزل من أجلها، لتحقيق الديمقراطيّة ورفع الظلم والمطالبة بأدنى مقوّمات العيش الكريم. ولكنّ ذلك ما زاد نظام آل خليفة إلا إمعانًا في الظلم والاستبداد، رافعًا درجة الانتهاكات إلى أعلى المستويات، لمرحلةٍ لاقت أفعاله بعض الإدانات الدوليّة، أميركيّة وأوروبيّة، وإن لم ترقَ إلى المستوى المطلوب.

في مقابل كلّ هذا الاستبداد والتطرُّف السلطويّ، كانت المعارضة الوطنيّة البحرينيّة ترسم لنفسها خطّ سيرٍ ليكون الطريق نحو الوصول إلى الحُريّة، فتدرّجت بطريقة واعية وراقية من أجل تحقيق الأهداف والطموحات الشعبيّة، فكان اللجوء إلى كلّ الوسائل والأساليب السلميّة في التعبير عن رفضهم للوضع القائم، وكانت كلّ هذه الخطوات تُجابه بالقمع، وبالمزيد من الخطوات التصعيديّة والانتقاميّة التي قام بها النظام من أجل ردع أبناء شعبه وثنيهم عن الخروج إلى الشوارع للتعبير عن آرائهم.

وكانت ثمرة العمل المعارِض في البحرين استفتاءً شعبيًّا، للسماح لهذا الشعب بإيصال صوته دون أي تزويرٍ أو تزييف، كما كان يحصل في كلّ انتخابات تقوم السلطة بإجرائها، حيث النتائج معروفة مُسبقًا، ومُحضّرة لكي تناسب العائلة الحاكمة القابضة على كلّ خيرات البلاد. فكان الاستفتاء استفتاءً بحقّ، خرجت الجماهير العريضة ونزلت إلى مراكز الاقتراع وصوّتت لصالح تقرير مصيرها بيدها.

في مقابل ذلك، كانت الانتخابات النيابيّة والبلديّة التي دعا النظام إليها، فضيحةً من العيار الثقيل، حيث كانت نسبة المشاركة فيها خجولة وشبه معدومة، ما جعل النظام يجنُّ جنونه، ويزداد حِدّةً في انتهاكاته، وشِدّةً في قمعه لكلّ المظاهر السلميّة التي استمرّت في الخروج للمطالبة بالحقوق.

عند هذه النقطة، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ البحرين، تُسمّى بمرحلة ما بعد الاستفتاء الشعبيّ، وما قبل سقوط النظام وانهياره.

وهنا لا بدّ لنا من بعض القراءات التحليليّة للمرحلة القادمة، والتي لا تنحصر فقط بالبحرين، إنّما تمتدُّ لتشمل الشرق الأوسط برمّته، في ظلّ الحروب القائمة في أكثر من دولة في هذه المنطقة، حتّى أصبحت أغلب الدول الكبرى تشارك في هذه الحرب سواء بالطرق المباشرة أو غير المباشرة.

ولعلّ الأزمة السوريّة هي المثال الأكثر تعبيرًا عن الحالة القائمة في هذا الصراع العالميّ، حيث يتواجه محوران في حربٍ شديدة التعقيد، الهدف من اندلاعها أساسًا كان نشر ثقافة الخضوع للولايات المتّحدة الأميركيّة، من أجل ضمان أمن إسرائيل، وإخضاع الدول التي تنضوي تحت مسمّى محور المقاومة، وإن لم يكن إخضاعها فإنهاكها لإجبارها على تقديم الكثير من التنازلات. فكان الحلف الأميركيّ – الإسرائيليّ – البريطانيّ – الفرنسيّ – الخليجيّ، هو عماد مشروع إخضاع الدول وتمزيقها.

لكنّ هذا الحلف، لم يستطع بأدواته التكفيريّة من تحقيق النتائج المرجوّة، بل إنّه في المقابل استطاع المحور الآخر تحقيق الانتصارات المتوالية في سوريا، وأيضًا في العراق واليمن ولبنان، حتّى تمكّنت إيران أيضًا من إجبار الولايات المتّحدة الأمريكيّة على التفاوض معها، وتقديم بعض التنازلات والوصول إلى اتفاقات، أكثر ما أزعجت دول الخليج، وبخاصّة السعوديّة، وبالتأكيد البحرين.

في هذا الوقت، كان الشعب البحرينيّ مستمرًّا في ثورته، وفي مطالباته بالديمقراطيّة، واثقًا بأنّه سوف يصل إلى أهدافه المنشودة، خاصّةً في ظلّ التغيّرات الحاصلة في المنطقة، وتغليب سياسة التفاوض التي ستطال كلّ الدول، وسيضطر المُتعنِّت إلى التنازل ولو بعد حين.

نتائج الاستفتاء الشعبيّ، أثبتت لكلّ العالم بما لا يدع مجالًا للشكّ أنّ الشعب البحرينيّ يريد التغيير، بأغلبيّته الساحقة، وأنّه لا مجال في ظلّ هذه الصفقات التي يمكن أن تُعقد، تجاهل مطالبه أو تغييب دوره في رسم معالم المرحلة المقبلة، خصوصًا وأنّ نتائج الانتخابات التي أجرتها السلطة شكّلت صفعةً قويّة للنظام، ووضعته في موقفٍ مُحرج أمام العالم، لناحية عدم تمكُّنه من حشد نسبةٍ مقبولة للمشاركة في التصويت، في وقتٍ تمكّنت المعارضة من تحقيق أرقام عالية جدًّا في التصويت لصالح حقّ الشعب في تقرير مصيره، وهذه كانت بمثابة الضربة التي أصابت النظام في الصميم، وأفقدته أي مصداقيّة – إن كان يملكها – أمام العالم، وجرّدته من كلّ شرعيّة حاول أن يكتسبها على الصعيد الدوليّ، حتّى وإن لم تعلن الدول ذلك لارتباطها بمجموعة مصالح مع دول الخليج.

الاستفتاء الشعبيّ في البحرين، حقّق أهدافه وأكثر، وأنا أرى أنّ ما ارتكبه النظام أخيرًا باعتقال أمين عام جمعيّة الوفاق الشيخ علي سلمان، هو دليلٌ على أنّ نتائج الاستفتاء باهرة النجاح، قد أصابت النظام في مقتل، وأنّ استمرار المعارضة على نفس الوتيرة سوف يزيد في إرباك النظام وتخبّطه، ويمكن أن يلجأ النظام إلى اعتقال المزيد من قيادات المعارضة للتأثير عليها وإجبارها على التراجع، ويمكن أن تزداد عمليّات القمع والاضطهاد، وهذا سيكون مؤشّرًا واضحًا على أنّ الحكم في البحرين قد خسر كلّ أوراقه، ولم يعُد أمامه سوى ممارسة جنونه الذي سيقتله في النهاية، ولن يستطيع آل خليفة الاستمرار على عرشهم حتّى لو دخل إلى البلاد ألف درع جزيرة.

*أستاذ العلاقات الدوليّة – لندن


رابط المختصر : manamapost.com/?p=2015035508


المواضیع ذات الصلة


  • أسرار واعترافات… ضابط الدرك الأردنيّ في البحرين: «عناصر من الدرك الأردنيّ شاركوا في هجوم الدراز فجرًا» 2-3
  • أسرار واعترافات.. ضابط الدرك الأردنيّ في البحرين: «جئنا من أجل المال.. ولسنا مضطرّين إلى تحمّل نتائج سقوط هذا النظام» 1-3
  • أسرار واعترافات.. «الدرك الأردنيّ في قبضة منامة بوست»
  • اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *