د. خالد حمود*
بدأت السعوديّة حربًا عدوانيّةً على الشعب اليمنيّ، بعد أن شكّلت حلفًا عربيًّا واسعًا في سابقةٍ لم نعهدها من الدول العربيّة، ومن المُستبعَد أن نراها إلّا عندما تريد أن تقتل شعبًا رفض الانصياع لأوامرها وتمرَّد على الحكم الفاسد والظالم.
لكن اللافت أنّ السعوديّة، والتي تقود هذا التحالف وتُعدّ رأس الحربة فيه، اتّخذت قرار الحرب وهي التي لم تعتد على خوض الحروب بجيوشها، حيث لجأت في السنوات الماضية إلى دعم كلّ الحركات التي يمكن أن تعيث خرابًا ودمارًا في البلاد العربيّة، وموّلت وسلّحت الجماعات الإرهابيّة المتطرّفة في بلدانٍ عدّة، بهدف القضاء على الأنظمة التي تختلف معها، وذلك كلّه دون أن تضطّر إلى إرسال جنودها للقتال، سوى ما حصل في البحرين حيث أرسلت قوّاتها لقمع الانتفاضة الشعبيّة السلميّة ضدّ حكّام آل خليفة الموالين لآل سعود.
واللافت أيضًا، أنّ الحرب الدائرة حاليًّا يقودها وزير الدفاع الشاب محمّد بن سلمان، الذي يُعدّ أصغر وزير دفاع في العالم، وهو لا يملك أيَّ خبرةٍ قتاليّةٍ ميدانيّة، بل يمتلك حماسةً جنونيّة دفعته إلى التورُّط في المستنقع اليمنيّ، ظنًّا منه أنّ هذا الاندفاع سوف يؤدّي إلى تحقيق النصر، في حربٍ ستؤثِّر سلبًا على المشهد السعوديّ في الأيّام القادمة، سواء على الصعيد الداخليّ أو الخارجيّ، وسيكتشف النظام السعوديّ أنّ حربًا يقودها شابٌّ طائشٌ لن تكون نزهة، وهي -أيّ السعوديّة- لم تعتد يومًا على قيادة الحروب بل إنّها كانت دومًا تشارك في تحالفاتٍ لا يكون لها وزنًا كبيرًا فيها.
وللإضاءة أكثر على الأوضاع التي تعيشها مملكة آل سعود، لا بُدّ من التطرُّق إلى حالة عدم الاستقرار التي تلفُّ المملكة بعد رحيل عبدالله واستلام سلمان مقاليد الحكم، مع ما تبع ذلك من الإطاحة برموز سلفه، والخلاف الواقع بين محمّد بن سلمان ومحمّد بن نايف حول طريقة إدارة الحرب على اليمن، حيث يُصرّ الأوّل على ضرورة الدخول البريّ في حين يعارض الأخير ذلك.
انقساماتٌ هي في الأساس موجودةٌ بين أبناء العائلة الحاكمة في المملكة السعوديّة، ومع استمرار العدوان على اليمن، سوف تنكشفُ هذه الخلافات والانقسامات الحادّة، بعد أن انقسمت العائلة إلى معسكرين ما بين رافضٍ للعدوان ومُشجِّعٍ عليه.
لكن إذا عدنا أيّامًا إلى الوراء، إلى يوم إعلان السعوديّة الحرب على اليمن، نجد أنّ الإعلان عن هذه الحرب تمّ عبر السفير السعوديّ في واشنطن، في دلالةٍ واضحةٍ على حقيقة الاتّكال السعوديّ على أمريكا، وعلى أنّ عدوانها جاء بمباركةٍ أمريكيّة وبضوءٍ أخضرٍ منها، وبالتالي إرسال رسالةٍ إلى من يهمّهُ الأمر، بأنّ السعوديّة تنفِّذُ أجندةً أميركيّةً ليس إلّا.
وقد أتى عدوان السعوديّة هذا بعد فشل وكلائها في تغيير المعادلة السياسيّة داخل اليمن لصالح الأجندة السعوديّة، وبعد رفض الشعب اليمنيّ البقاء تحت عباءة آل سعود، وكذلك بعد فشل سياستهم في تخويف اليمنيّين من حركة أنصار الله خلال الفترة الماضية، عبر استخدام السلاح الطائفيّ المُحرّم إسلاميًّا.
كثيرون من الذين يتابعون تطوّرات الأحداث في اليمن عبر الإعلام الخليجيّ وخاصّةً السعوديّ والقطريّ، ذُهِلوا من الأخبار التي تحدّثت عن دخول الجيش اليمنيّ وأنصار الله إلى عدن، ولهم الحقّ أن يُذهلوا؛ فما شاهدوه يتناقض بالمرّة مع ما سمعوه عبر هذا الإعلام خلال الفترة الماضية بشأن ما يجري في اليمن.
الإعلام الخليجيّ كان يرسم صورةً مغايرةً للأحداث التي يشهدها اليمن للمتلقّي العربيّ، فالذي كان يحدث على الأرض في اليمن لم يُنقل من قبل هذا الإعلام كما هو، بل كانت تجري عمليّة تشويه مقصودة، في محاولةٍ لإثارة الفتن والنعرات الطائفيّة والتحريض وزرع الأحقاد بين اليمنيّين، فالمتابع لهذا الإعلام كان يخضع لقصفٍ إعلاميٍّ متواصل لفرض أكاذيب ومزاعم على أنّها حقائق ثابتة، حيث كان هذا الإعلام يصف حركة أنصار الله بأنّها حركةً طائفيّة، وأنّها تسعى لإقامة نظام ولاية الفقيه في اليمن، وتتلقّى الأوامر من طهران، وتتبنّى أجندةً إيرانيّةً للسيطرة على باب المندِب، وتعمل على إضعاف دور السنّة وإقصاء كلّ المكوّنات والأحزاب والتنظيمات اليمنيّة عن الحكم، وأنّها مجموعة انقلابيّة، في مقابل تضخيم دور الشخصيّات والأحزاب التي تدور في الفلك الخليجيّ من أمثال عبدربّه منصور هادي، وآل الأحمر، وحزب الإصلاح، وإظهار الجيش اليمنيّ على أنّه موالٍ لهادي، وإظهار عناصر المجموعات التكفيريّة من القاعدة وداعش على أنّهم مسلّحون قبليّون سُنّة يرفضون هيمنة الحوثيّين الشيعة وإيران على اليمن، وإظهار جرائم القاعدة وداعش على أنّها عمليّات انتقاميّة للقبائل السُنيّة ضدّ التمدُّد الشيعيّ.
التأكيد على هذه الأكاذيب والمزاعم وتكرارها طوال الفترة الماضية على المتلقّي العربيّ الذي وضع ثقته بهذا الإعلام، هو الذي جعله يتفاجأ من إمكانيّة أن تقوم مجموعةٌ طائفيّة انقلابيّة لا تملك أيَّ رصيدٍ شعبيّ، تتلقّى أوامرها من الخارج بالسيطرة على العاصمة صنعاء، ومن ثمّ تزحف نحو عدن العاصمة الاقتصاديّة للبلاد خلال فترةٍ قياسيّة، دون أن تلقى مقاومةً تُذكر من قبل الجيش والقوى الأمنيّة والقبائل والأحزاب والتنظيمات اليمنيّة الأخرى.
إنّ ما حدث في عدن ومن قبل في لحج وفي تعز وغيرها، خلال الأيّام القليلة الماضية، أثبت وبشكلٍ قاطعٍ فشل السياسة الخليجيّة، وخاصّةً السعوديّة والقطريّة، القائمة على التخويف من أنصار الله وإيران عبر العزف على الوتر الطائفيّ، والذي كان يهدف إلى إشعال الفتنة في اليمن، كما عملوا عليها في العراق وسوريا والبحرين، بإصرارهم على تحويل الصراع في هذه الدول إلى صراعات طائفيّة.
كلّ هذه الأسباب مجتمعة، إلى جانب القصور المزمن في السياسة السعوديّة المتمثّل بعدم إدراكها حساسيّة المنطقة والظرف الذي تمرُّ به، دفعها إلى القيام بمغامرةٍ جديدةٍ وهذه المرّة على حدودها الجنوبيّة، وهي تعلم جيّدًا أنّ العدوان الجويّ لم يُغيّر المعادلة على الأرض ولن يغيّرها أبدًا إذا لم يتزامن مع تدخُّلٍ بريّ. ويبدو أنّ هذه الجزئيّة الخطيرة هي التي دفعت السعوديّة للإعلان عن مشاركة الأردن والسودان وباكستان ومصر في العدوان، وهو ما لم يتمّ التأكيد عليه وبشكلٍ قاطعٍ من قبل مسؤولي هذه الدول،الذين أعلن بعضهم أنّهم ما زالوا يدرسون طلبات سعوديّة للمشاركة، أو أنّهم لم يُقدّموا سوى مساعدات لوجستيّة أو استخباراتيّة، الأمر الذي يترك السعوديّة وحدها في النهاية تتحمّل مسؤوليّة هذا العدوان ونتائجه، إلى جانب دول مجلس التعاون التي تدور في فلكها، عدا سلطنة عمان.
إنّ من الصعب على الجيوش الباكستانيّة والمصريّة والأردنيّة والسودانيّة أن تظهر بمظهر المرتزقة التي تعمل لصالح السعوديّة في مغامراتها التي لا تنتهي في المنطقة، والتي تسيء إلى صورة هذه الجيوش ومكانتها وتضرُّ بعلاقاتها مع دول العالم.
قد يكون بمقدور السعوديّة أن تشنّ عدوانها على اليمن بدعمٍ أمريكيّ، ولكن من المؤكّد أنّ تحديد أهداف هذا العدوان، أو التحكُّم بنتائجه وتداعياته المحليّة والإقليميّة وحتى الدوليّة لن يكون بمقدور السعوديّة وحتى أمريكا، فالشعب اليمنيّ شعبٌ مقاتلٌ عنيد أبيّ لا يرضى الضيم وينتظر بفارغ الصبر منازلة الجيش السعوديّ، وكذلك مرتزقتهم – من أيِّ جنسيّةٍ كانوا- وسيشهد العالم بأس اليمنيّين داخل اليمن وخارجها، وعندها سيلعن المعتدون اللحظة التي فكّروا فيها بالعدوان على اليمن وشعبه.
*كاتب وباحث استراتيجيّ – واشنطن